يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

393

النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه

قولك : " آتيك فأحدثك " ، لأن الخبر واجب أن تفعله على كل حال ، وجواب الشرط ليس بواجب أن تفعله إلا أن تريد الشرط ، وقد يوجد ولا يوجد ، فأشبه الاستفهام ونحوه وشبهه سيبويه بقولك : " أفعل إن شاء اللّه " لأن أفعل موضعه وأصله إخبار حقه الوفاء به ، وقوي بذلك النصب بعد جواز الشرط إذا كان تعليقه بالشرط يخرجه عن الأفعال المجردة . هذا باب من الجزاء ينجزم فيه الفعل إذا كان جوابا لأمر أو نهي أو استفهام أو عرض أو تمن اعلم أن جواب هذه الأشياء ينجزم بإضمار شرط ، والدليل على ذلك أن الأفعال التي تظهر بعد هذه الأشياء إنما هي ضمانات يتضمنها الآمر والناهي والمستفهم والعارض بوقوع أفعال قبلها ، وليست بضمانات مطلقة ، إنما هي متعلقة بمعنى : إن كان ووجد ، وجب الضمان والعدة . وإن لم يوجد ، لم يجب . ألا ترى أنه إذا قال : " ائتني آتك " ، لم يلزم الآمر أن يأتي المأمور إلا بعد أن يأتيه المأمور ، فوجب أن يكون التقدير : ائتني إن تأتي آتك ، وهكذا التقدير في جميع ما يجزم جوابه من هذا الباب ، وإن كان لا يتكلم بهذا ، لأن لفظ الأمر والنهي وما أشبههما يغني عن ذكر الشرط بعده ويكفي منه . وأنشد لجابر بن حني التغلبي : * ألا تنتهي عنا ملوك وتتقي * محارمنا لا يبوء الدم بالدم " 1 " هذا وإن كان لفظه لفظ الاستفهام ، فإن معناه معنى الأمر كأنه قال : لتنته عنا ملوك إن تنته عنا لا يبوء الدم بالدم . ومعنى لا يبوء الدم بالدم : لا يقتل واحد بآخر ، يريد أن الملوك إذا قتلوا منا قتلنا منهم ، ولو حمل هذا على حقيقة الاستفهام فسد المعنى على لفظ الجواب ، وحقيقة لفظ الاستفهام لأن " الألف " للاستفهام ، و " لا " للجحد ، فيكون الشرط المقدر بحرف الجحد ، فيصير التقدير : ألا تنته عنا لا يبوء ، وهذا ضد المعنى المراد . وإنما لم يجز : لا تدن منه يأكلك وهذا محال لأنه يصير تباعده سببا لأكله ، ولا يستقيم أن تضمر : " إن تدن منه " لأن " تدن " لا يدل على ذلك ولا فيه معناه كما كان في قوله : إلا تنته ، معنى لتنته . فإن قلت : لا تدن من الأسد فيأكلك بالفاء والنصب جاز وحسن ، لأن الجواب بالفاء تقديره تقدير العطف كأنه قال : لا يكون دنو فأكل . وإن لم تدخل الفاء رفعت على الاستئناف ، أي : هو مما يأكلك فاحذره . ومثله ما حكاه سيبويه عن بعض الأعراب : " لا تذهب به تغلب عليه " وقوله : " مره يحفرها " .

--> ( 1 ) المفضليات 511 ، الكتاب وشرح الأعلم 1 / 450 ، شرح النحاس 294 ، شرح السيرافي 4 / 457 .